عبد الملك الجويني
183
الشامل في أصول الدين
الضعيف المشي بنفس إرادة القوي ، بل إن فعل ضغطا كان ذلك منعا حينئذ على القول بالتولد والسبق إلى اعتقاده . فاستبان أن المنع لا يتحقق بالذاتين ولا بصفاتهما ، وإنما يتحقق المنع بالفعل . فإذا فعل أحد القديمين حركة في جوهر ، كانت الحركة منعا للآخر من فعل السكون في وقت الحركة ، فيرجع التمانع إلى الفعل ، والفعلان المتمانعان هما الضدان المتناقضان . ومما يوضح ذلك ويكشفه ، أنا لو حققنا تمانعا بين الذاتين من غير فعل ، لرجع القول في التمانع إلى العدم المحض ، إذ لم يوجد من واحد منهما فعل ، ولا تتحقق ممانعة العدم العدم ، ولا ممانعة العدم الوجود إذ العدم نفي محض لا اقتضاء له ولا أثر له . فانحصر المنع في الفعل الموجود . فإذا أحطت بهذه المقدمة علما ، فاعلم بعدها أنه لا يتصور على أصولنا وجود المنع من كل واحد من القديمين حتى يكونا متمانعين ، فإنا أوضحنا أن المنعين هما الضدان ، ولا يتصور وجود الضدين فيتصور تمانع القديمين ؛ بل يتصور من أحدهما منع الآخر . فأما أن نتصور من كل واحد منهما منع الآخر ، فمحال إذ يلزم منه اجتماع الضدين . ثم لو اجتمعا ، لبطل التمانع إذا نفذ مراد كل واحد منهما ، فلم يستند القائل بثبوت القديمين إلا [ إلى ] تجويز اجتماع الضدين مع إبطال التمانع من الجانبين ، ففي روم تمانعهما إبطال تمانعهما ، وليس كذلك لو جوزنا منع أحدهما الثاني . ولو مدت إلينا المعتزلة أعناقها في هذا الفصل ، وزعمت أن التمانع الحقيقي يتصور عندنا ، وفرضوا ذلك في جسم بين حادثين مستويين في المرّة والقوة ، فإذا تجاذباه ، وقف الجسم ولم ينجرّ ، ولم ينجذب في جهة واحد منهما ، إذ قد فعل كل واحد منهما اعتمادا يوازي ما فعله الآخر ، فلما تماثل الاعتمادان ، لم ينجذب الجسم ودل على تناهي مقدور كل واحد منهما . قالوا : ولو قدرنا قديمين لصورنا بينهما مثل ذلك ، ثم ليس في تصوير تمانع القديمين بالاعتمادين ، إبطال الدلالة على تناهي مقدور كل واحد منهما . قالوا : فقد استقام لنا التمانع ، ولم يستقم لكم . الجواب عن ذلك من أوجه : أحدها أن نقول : بنيتم ذلك على القول بالتولد وأنتم منازعون فيه ، فبينوا ما بنيتم عليه ، ثم ابنوا ما بدا لكم . والجواب الآخر أن نقول : ما صار إليه الدهماء من المعتزلة استحالة وقوع الفعل من القديم متولد [ ا ] ، فإنهم وإن أجازوا التولد [ ا ] في أفعال المحدثين ولم يجوزوه في أفعال اللّه تعالى ، وأنه لا يقع متولدا ، فلا يصح أن يقع مقدورا ، كما لا يصح أن يقع مقدورا ما يصح